Feeds:
تدوينات
تعليقات

أحمد الكومي

ربما يكون العنوان لافتا، ولمن لا يتفق معي في ذلك، فله مبرراته ولي رأيي. حين كنت أطلب من والدي تعليمي السباحة في البحر، كان يكتفي بإلقائي على بعد مسافة من الشاطئ، ويطلب مني الخروج وحدي دون مساعدة منه، وإن كانت عينه لا تفارقني. هو بفعله هذا كان يصنع الخوف من أجل أن أكسر أنا حاجزه.

قديما، كان يقال إن هناك طريقة واحدة لمعالجة الخوف، هي أن تخرج وتخيف نفسك. ستقول إن هذا جنون، فكيف تخرج وتخيف نفسك؟ ومؤكد أنك ستحكم على فاعلها بالخرف. هذا بإيجاز هو التوصيف الأمثل لحال الدول العربية التي يسكنها الخوف دون أن تمتلك الشجاعة لمجابهته. إنهم اليوم ليسوا بحاجة لهذه الطريقة؛ لأنهم باختصار ركنوا إلى الراحة، واستوطنوا قواعدها، حتى انصرفوا عن قضاياهم، وانشغلوا عن الخطر الذي كان يتكوّن على حدودهم.

لكنهم اليوم مجبرون على ذلك، بفعل فاعل يجمعون على أنه شر، وأنا أجزم أنه خير، (إيران وداعش). أنا لا أنهل من عاطفة بعيدة عن الواقع والمنطق، فالغلبة ليست للقلب في مثل هذه الأمور، وكل ما أريده، إقامة الحجة على المفرطين في التحذير من هذا الخطر. فإلى متى سيظل العرب على هذه الحال التي كانوا عليها قبل أن يصل الخطر ذروته؟ واقعٌ كانت يسر العدو ويغيظنا.

متى نستدعي ماضينا؟ الزمن الذي كنا نتحدث فيه باسم الأمة، ونضرب بسيفها، ونغمده برجاحة عقلها. الزمن الذي تدارسه الغرب، وانتقينا نحن منه الاختلاف، ورويناه حتى عشعش فينا. كل ما يجري اليوم وما سيأتي لاحقا لن يكون بالتأكيد أسوأ من حالنا التي كنا عليها.

حين يجبر الخطر الفرقاء على الالتقاء، فإنه ليس شرا كما تزعمون. حين يجبر الخطر السعودية على استباق نتائج الاتفاق النووي بتوسيع دائرة الأصدقاء الذين هم عرب وكانوا قبل ذلك أعداء، وتدير ظهرها لواشنطن، فإنه ليس شرا. وحين نسمع هدير الطائرات العربية وطقطقة القطع الحربية تتحرك بعد سبات؛ لضرب خطر التف لها من الجنوب، فإنه ليس شرا.

حين يبدأ العرب جادين بالبحث عن حل نهائي لأزمة سوريا التي أرهقت المنطقة، ويصرّون على أن الطاغية جزء من المشكلة وليس الحل، فإنه ليس شرا. حين تحاول السعودية إنهاء القُرب الإيراني من القضية الفلسطينية ثم تعود لتحييها، بعد سنوات الضياع التي عاشتها على إثر انشغال الجميع في أموره الداخلية، فإن الخطر ليس شرا. حين يتنبه الجميع ويحاولون تصحيح ما انحرف عن المنهج، وأفرز منحرفين فكريا، بما يعيدنا إلى تعاليمه وآدابه، فإن الخطر ليس شرا.

حالة واحدة يمكن أن يكون الخطر فيها شرا بعد مرحلة الذروة التي وصل لها في واقع أمتنا العربية: إن لم تملك الشجاعة لتحول الخوف منه إلى غضب، وأن تتغلب عليه، كما حدث مع القائد الأيوبي صلاح الدين الذي حرضه الخطر الصليبي على مواجهته، لا الفزع منه، وأول شيء حرص على فعله هو تحقيق “الوحدة الإسلامية”، ومكث في ذلك أكثر من 10 سنوات من الجهد الشاق، وقد حقق ما أراد.

إنني أتوق للحظة التي أرى فيها وجه حنظلة، والتي رهنها ناجي العلي بأن تصبح الكرامة العربية غير مهددة.

أحمد الكومي

بعد جلسة خاصة بمكتبه، وبمشاركة وزراء الأمن، والأمن الداخلي، والاستخبارات، والمواصلات، ورئيس جهاز الشاباك، ووزيرة العدل، يأمر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، بمضاعفة عدد القوات في القدس، وزيادة وسائل المراقبة، ونشر وحدتين إضافيتين من حرس الحدود، و400 عنصر من الشرطة الإسرائيلية.

ويؤكد نتنياهو أن حكومته “لن تطيق حالات رشق السيارات ومحاور الطرق الرئيسية في القدس بالحجارة والزجاجات الحارقة من قبل شبان فلسطينيين”.

بعيداً عن حقيقة الغاية من هذه الإجراءات، إن كانت لتخفيف حالة الاشتباك اليومي فعلاً، أو أبعد من ذلك بتعزيز السيطرة والوجود اليهودي في المدينة، أو كلاهما معاً وهو الأرجح، فإننا أمام نوع فاعل ومؤثر من أنواع المقاومة، لا يقل تأثيراً عن الصاروخ المنطلق من غزة.

الحجر في القدس على صغره عظيم الأثر، مشكلة بل أزمة مستعصية على الحل بالنسبة للمستوطن المتطرف المتجول في شوارع المدينة.

طفل القدس مزعج، لا يدع سيارة متطرف إسرائيلي تمر إلا ويمطرها بوابل من الحجارة المقدسية الغاضبة المؤلمة، يُفْرّغ فيه كل غضبه ثم ينهال به على الغرباء في مدينته.

إنه يمارس حقه في المقاومة بعد أن سُلب حقه في طفولة آمنة، وحياة كريمة، حتى غدا “طير أبابيل”.

انتهاكات الاحتلال في مدينته أنضجته سريعاً، شبّ على القهر، لكن لا يريد أن يشيب عليه.

لم يعط ظهره للقبة الذهبية، مثلما فعلت أنظمة وحكومات، بل منحها قلبه الصغير بحجم قبضته.

ترك براءة الطفولة في المهد؛ وفضّل أن يكون من صغره متهماً في “سجن المسكوبية”.

يقع هذا السجن في مدينة القدس، وتحديداً في القسم الشمالي منها. أقيم في عهد سلطات الانتداب البريطاني، وهو مخصص للتوقيف والاعتقال.

اعتقلت فيه سلطات الاحتلال عام 2014 نحو 700 طفل من القدس؛ غالبيتهم تعرضوا في هذا السجن لتحقيق وتعذيب قاس، بتهمة رشق الحجارة والزجاجات الحارقة على المستوطنين.

ويخضع الأطفال في “المسكوبية” للتحقيق دون وجود أهاليهم أو حتى محامي، يتعرضون للبطش والقمع والضغط، في انتهاك وخرق واضح للقانون الدولي.

ورغم كل ذلك، لم تتوقف عمليات رشق الحجارة، وبات أطفال القدس “المزعجين” هاجساً كبيراً للاحتلال وأمنه، بل إنهم الشريحة الأكثر فاعلية ومشاركة في مقاومة انتهاكاته بحق القدس والأقصى.

وفي سبيل احتواء الأزمة، كان الكنيست الإسرائيلي قد أقر قبل شهرين قانوناً ينصّ على فرض عقوبات شديدة على راشقي الحجارة. كذلك سعى الاحتلال إلى تطبيق يوم دراسي مطول في المدارس الفلسطينية في القدس؛ لتقليص ساعات المواجهة اليومية، ورشق المركبات الإسرائيلية من قبل التلاميذ أثناء عودتهم من المدارس.

تبدو معركة خاسرة حين يواجه أطفال القدس قوات نتنياهو، لكنها بنظرهم تستحق التضحية.

لهم منا كل الاحترام ونلتمس منهم العذر.

بقلم/ أحمد الكومي

وأنا أحلق في قراءة “حكايات مسافر” للفيلسوف المصري الذي أسرني بكتاباته الدكتور مصطفى محمود، وقفت أتأمل رحلته إلى عاصمة العطور، باريس.

ما شدّني كثيرا أن فلسفة شائعة هناك تسمى “الجسم العاري”، حيث كل شيء يعرض بلغة العُري، من إعلانات القمصان وحتى الدعايات السياسية.

المفارقة أن اعتياد العين هناك على رؤية الجسم العاري نقل التفكير من موضوع الإثارة الغريزية إلى موضوع التأمل الذهني البحت في كل ما يمكن أن يُرى في الجسم العاري من علاقات جمالية ومعان مجردة !

الحال تتشابه في عاصمة المقاومة، غزة، لكن الفلسفة تختلف.

“فلسفة الأزمات” هي السائدة هنا، فاليوم تعيش غزة أزمة رواتب، وقبلها كانت أزمة وزراء حكومة التوافق، والقادم ربما يكون “أزمة حريات” خصوصا بعد الاعتداءات المتواصلة لأجهزة أمن السلطة، واجتماعها والاحتلال الإسرائيلي على منع صحف غزة من التوزيع في الضفة، وهلم جرا..

اعتياد الفلسطيني على العيش تحت مظلة الأزمات نقل التفكير من موضوع الثورة عليها إلى التأقلم معها، وليس أدل على ذلك ما كتبه صديقي “أبو جمال” حين طالب جماعة الإنقسام فور الإعلان رسميا عن انتهاء أزمة الرواتب (بافتعال أي شيء) قبل أن نعود إلى المربع الأول.

جدول الأزمات منبعه النخب السياسية المتصارعة التي جعلت الزمن يميل على غزة، فأصبحت كئيبة تحركها ورقة نقود إسرائيلية آخر الشهر فقط.

مخيلتي تعجز بعد اليوم أن تأتي بصورة مسؤول فلسطيني -الممر إلى غرفة نومه مفروش بالقطيفة حتى نهايته- يحلق في سقف مكتبه وعقله شارد يحدثه: “كيف سيمسي شعبي اليوم وعلى ماذا سيصبح؟”.

يخرج علينا رجل أعمال فلسطيني هاوٍ لا يتجاوز همه باب خزينة أمواله، ليعلن عزمه إكمال حلم الرئيس ياسر عرفات بجعل غزة “سنغافورة الشرق الأوسط”، ومسؤول آخر يبدأ عمله بالإعلان عن خطة استراتيجية وتنمية وما إلى ذلك، وكلاهما كما العرب، يتكلمون عن السيف والخيل ولا يستعملونهما.

لا نقتحم مكتب مسؤول إلا للمطالبة بأمر هو في الأصل واجب وحق، كعودة الراتب مثلا، ولم نلتفت مع مرور الزمن إلى جفاف نقطة ماء الكرامة في جبين كلٍّ منا، كنتيجة حتمية لتنافر الأحزاب والنخب السياسية.

إن كنّا بلغنا قعر الحفرة بالمسؤولين “الشرفاء”، فهل من “هلس” قد يكون على يديه الرخاء.. تكفيه الصلوات الخمس مع همومنا ليدخل الجنة؟.

بقلم/ أحمد الكومي

أذكر قبل 3 أعوام تقريبا، صلّى نائب رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية، الفجر في مسجد حيّنا، ثم خطب فينا بعد الصلاة. كان الحصار وقتها على أشده، وكان الناس قد مضوا في صبرهم.

جلس الجميع يرْقبون ما يحمله هنية لهم، كانت فرصة للمصارحة لا تكرر، بعيدا عن رادار الإعلام، تحدث الرجل بما فيه الكفاية ثم أوجز قائلا: “بجرة قلم من حماس قادرون على أن نغدق غزة بالأموال”.

لا يحتاج الأمر إلى برهان للدلالة على أن حماس في موقع المظلومية، فالعقل لا يخطئ ذلك، وهي الحركة الإسلامية السنّية التي تحمل لواء الوسطية، المضيّق عليها داخليا من تنظيمات فلسطينية مخطوفة ومعروفة بعينها، والمحاربة عالميا عبر أذرع عربية متآمرة.

لم يرق للخارج ولادة تنظيم فلسطيني يكون شاذا في محيط عربي لا يعرف اللاءات، وينبذ المعارضة وكل من يتجرأ ويلوح بوجهه ناصية النظام الحاكم، رغم أن ميثاق حماس لم يخلو من الإشارة في أكثر من موضع إلى عمقها العربي والإسلامي، وحاجتها الملحّة للأمة، ورغم أن عناوين الحركة عريضة، والهدف الذي وجدت لأجله مكتوب أيضا بالبُنط العريض.

كان من الذكاء، أن يبحث المتآمرون عن الشريان الذي يمد حماس بالحياة، فكانت الثنائية الممثلة في اتصالها بالله عزوجل، الذي أهّلها أن تكون حركة إنسانية خلوقة، واتصالها ثانيا بأبناء شعبها، الذي جعلها تتمتع بجماهرية عريضة وهي في عزِّ شبابها، لتمثل أنموذجا غير مسبوق في التاريخ الفصائلي.

أما أن يقطعوا الاتصال الأول فهذا ممكن حين نرى الماء يصعد إلى قمة جبل، وعليه تقرر التشويش على الاتصال الثاني وصولا إلى قطعه تماما لغاية قبْر حماس، ومعها الميدان الذي تتخذه حصنا (غزة)، فرأينا الانقلاب على الشرعية، ثم أعقبه الحصار و”ثلاثية الحرب” خلاله، والمحاولات مستمرة اليوم بشد الخناق أكثر على رقاب الناس، ومحاربتهم في أرزاقهم، وحرمانهم الحد الأدنى من الحقوق الحياتية.

واعتقد أنه ليس من الحكمة المكابرة والتسليم بفشل هذه المؤامرة اعتمادا فقط على مزيد من الصبر لدى الناس، فعقل اليائس مسكن الشيطان، وهذا يوجب على حماس أن تذرف مزيدا من العرق شعبيا أكثر منه سياسيا، وإن كانا سويا على سكة الأهمية، عبر تمكين الالتحام أكثر، بالنزول إلى الناس أكثر، وسدّ الثغرات، وإذابة الفجوات، واستعادة زمن اللثام وكيس الطحين، وأن ترغب عن كل ما كانت ترغب فيه، وهو برأيي القرار الأسلم في مرحلة اشتداد المكائد، وإن كان كل هذا واجبا فهو بالأساس معروف.

بقلم/ أحمد الكومي

لا أعتقد أن غلاء الأسعار سيرافق الشهر الفضيل في قطاع غزة هذا العام. والسبب أن جيوب الأسر الغزية صائمة، لم يدخل الراتب جوفها منذ شهور، وهي على هذه الحال حتى يُرفع آذان الصرف.

بالتالي، سيكون الباعة مجبرين على تثبيت الأسعار أو قل خفضها، في سبيل استمالة الناس إلى (الشراء)، المصطلح الذي ربما يكون قد اندثر من لائحة ما يزيد عن 40 ألف موظف تمتنع حكومة التوافق الفلسطيني عن صرف رواتبهم، رغم حلول شهر إقالة العثرات. والحجة أنهم “غير شرعيين”.

إن أردتُ خوض سجال الشرعية، فسأنضم إلى الصف القائل بأنه لا توجد قيادة شرعية في فلسطين؛ لأن الشرعية انتهت بانتهاء المدة القانونية لأي جهة.

الموظف في غزة صار حكاية تقطع نياط القلب، تجوز عليه الشفقة والصدقة في آن واحد. وهو برأي من صمّوا آذانهم لنداءاته، بمنزلة عقاب لعمله مع حكومة حماس.

نعم لقد عمل موظف غزة مع حكومة حماس لكن أمّه لم تلده حمساويا، وضعته طفلا آدميا إنسانا، والإنسانية رابطة لها حقوق وعليها واجبات. أقل تلك الحقوق توفير الحياة الكريمة، فلا تستكثروها عليه بحرمانه من الراتب.

تتحمل حماس مسؤولية “وضع الاستجداء” الذي وصل له موظفو غزة من حكومة التكنوقراط التي تبين أن الكلام هو كل بضاعتها، وهي من عليها أن تناطح بشأن أزمة الرواتب وليس الموظفين أو نقابتهم، لأنه اتفاق وقّع عليه طرفان، تنكر الأول فوجب على الثاني التحرك. ثم إنه ليس من المنطق أن تكون هذه نهاية موظف أشرع لحماس قلبه لتدخله من دون تأشيرة.

متى أيضا يدهم الفصائل الفلسطينية شعور بالإثم لصمتها العجيب بشأن أزمة الرواتب؟، ثم ألا تستحق شؤون الناس تشكيل “غرفة عمليات” لإدارتها وتيسيرها، وتثبيت صمود من احتضن المقاومة ودافع عنها؟. ولماذا لم نسمع عن مبادرة أو وساطة أو حراك حقيقي وجاد من طرفها؟، أم أنه الصمت الذي يبطن التشفي بحماس، خاصة أن ظواهر الأشياء في غزة لا تطابق بواطنها أبدا.

وجب أن تصل الرسالة بأي وسيلة إلى من يملك القرار، وليس غيره الرئيس محمود عباس، أن في غزة أكثر من 40 ألف أسرة فلسطينية لا يريد أربابها أن ينشغلوا عن التفرغ لعبادة الله إلى التفكير في كيفية تأمين وجبات السحور والإفطار، والبُعد عن سؤال الناس وحفظ ماء الوجه. الوضع لا يحتمل مزيدا من الصبر، وفي صدورنا يحتشد كثير من الكلام، وفّروه علينا.

إن لم تحركَّ إنسانيتك سيدي الرئيس وأحسب ذلك، فليس لدي سوى تعليق لا يزيد عن ثلاثة أحرف وسطها حاء.

واعذروا كاتب هذه السطور فقد بدأ يفقد صوابه.

بقلم/ أحمد الكومي

يحدثني والدي وهو بائع خضراوات في سوق مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أن سيدة (ثقة) في منتصف العمر، جاءته تبكي على استحياء، تشتكي فقدان أغراض لها كانت تركتها في أحد المحال، بمبلغ يقدر بمائة شيكل، كان زوجها استدان تلك الورقة المالية من شقيقه ليتسنى للزوجة التسوق وتوفير الطعام.

زوج تلك السيدة –بروايتها لوالدي- يعمل عسكريا في حكومة غزة، ولم يتقاض راتبا منذ ما يزيد عن شهرين، ويفضل أن يأكل منقوشة جبنة بكرامة، على أن يفضح تواضع جيبه.

انتاب السيدة حزن الجياد الجريحة، وأصبحت مشلولة التفكير، فلا أحد سيصدق ما سترويه، لا أحد.

قد لا أبالغ لو قلت إن باستطاعة والدي لفرط ما روى من قصص معاناة تُبكي القلب، أن يؤلف كتابا مكتمل الألم !

ولا نستغرب لو علمنا أن فصلا أو اثنان من الكتاب سيكون أبطاله موظفين يواصل مؤشر معاناتهم الارتفاع، فتراهم يأتون السوق في أوقات متأخرة؛ تكون فيها الخضراوات قليلة الجودة وأسعارها بخسة، هذا إن تقاضوا رواتب كاملة، لا دُفعات.

عدد الموظفين بغزة قفز عن 42 ألف موظف، وتجد الحكومة صعوبة في توفير المال لموازنتها الشهرية التي تتجاوز الـ37 مليون دولار، بحسب بيانات لوزارة المالية كانت نشرتها وكالة (صفا) حديثا.

الضائقة المالية التي تعاني منها الحكومة دفعتها للتأخر في صرف رواتب الموظفين خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

صرت صراحةً أرفض التصديق أن الحصار أتى على الجميع، وأنا أرى أناسا تتغذى على تعاسات الآخرين.

موظف يستدين ليوفر الطعام، وآخر بدين يرهن من فرط البذخ ورقةً نقدية من فئة (100 دولار), لقاء إحراز لاعب هدفا في مرمى الخصم !

قرأت ذات مرة, أن مسؤول أحد الشركات نشر إعلانا في كبرى صحف بلاده، يسأل كيفية فهم نفسيات الموظفين تحت إدارته ومزاجهم !

بربك، ألا يدفعنا هذا الفعل إلى طبع قُبلة على جبين هذا المسؤول؛ لبحثه عن راحة موظفيه، وألا يدفعنا أيضا إلى أن نحسد زوجته عليه.

يغلب على ظني أن نفسيات موظفي الحكومة في غزة بحاجة إلى ترميم، فثلاثة أشهر عمل دون راتب قد تكون كافية لضجرهم، و(ربما) لو امتدت الفترة مع تنامي بذخ أمثال ذاك البدين، فلنتوقع حراكا “حقيقيا” لا تغذيه مؤامرة.

بوب هوب، ممثل كوميدي أمريكي، قال ذات تاريخ: “إن تطلب الأمر أن أبيض بيضة من أجل وطني فسوف أفعل ذلك” ! نحن لا نريد من الحكومة أن تبيض من أجل الموظف، كل الذي نريده أن تحفظ ماء وجهه فقط، وأن يتقي أبناء الولاة الشبهات، ويراعوا كذلك مشاعر الناس، وبكاء تلك السيدة.

ونريد أن نذكرها أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع- وفق تقرير الغرفة التجارية في غزة- إلى ما يزيد عن 140 ألف شخص، وأن هناك عائلات لا أقول إنها على الحديدة، بل لا تجد حتى الحديدة !

رواتب الموظفين وأسعار الخضروات، لابد أن تكون من أولويات القلق لدى الحكومة. وأتمنى أن توصِل طائرات الاستطلاع ما كتبت إلى رأس الهرم أو المتنفذين فيها، ليعلموا أنه ليس عيبا أن نُظهر القسمات الحقيقية للواقع، فلا معنى لحرية الرأي دون أن يكون لنا حق الكتابة، وحق الخطأ والصواب.

ورحم الله من أهدى إليّ عيوبي

بقلم/ أحمد الكومي

أفضت الحسرة التي تملكت الشباب الفلسطيني بُعيد تداول خبر توجه النمسا لتعيين شاب وسيم بلغ السابعة بعد العشرين، وزيرا للخارجية، إلى حراك شبابي في غزة، أثمر وعودا بلقاء قريب للشباب مع رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية، ومطالبات بوزارة مستقلة للمغلوبين على أمرهم.

لو أعلم للحظة أن المطالب التي تحمّس النشطاء للتنقيب عنها عند الشباب، من أجل طرحها على هنية، ستكون على رأس اهتمام الحكومة في ظل “ضنك المعيشة”، لأجلست بجواري العسكري “حسين”، لأُملي عليه مطالبي.

لكن الواقع يقول إن هموم الشباب آخر ما يفكر فيه أصحاب القرار، والحكومات، والأحزاب باختلاف هوياتها، وحتى الشباب أنفسهم، فقد “خدلت مؤخراتهم” لفرط ما جلسوا ينتظرون الفرج.

كاتب هذه السطور، الذي يقرئكم السلام، جاءه الفرج مبكرا، لكن ليس ذلك معناه أن ألتحف وأقول كما أبو يزن (دع الخلق للخالق).

فسني وموقعي يقتضيان أن أكون محاميًا عن الشباب، وقاضيًا لهم عند المسؤولين وأصحاب القرار.

الأزمات المتلاحقة، والسياسية على وجه الخصوص، أنتجت شبابا فلسطينيا لا يُحسن غير المسبة على الواقع “والعيشة المنيلة بستين نيلة”.

تقرير الغرفة التجارية في غزة، الذي صدر يوم الأحد (5 يناير 2014)، أشار إلى أن معدلات البطالة في القطاع تجاوزت 39% مع نهاية العام 2013؛ بفعل استمرار الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وأشار أيضا إلى أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع إلى ما يزيد عن 140 ألف شخص !

وأعتقد أن هذه النسبة كانت بمنزلة “كتاب الأضواء” الذي فسر لي سبب توجه بعض الشباب الغزي إلى القفز عن الجدران؛ تحت مسمى رياضة “الباركور”، وامتهان عمليات القرصنة والاختراقات وسرقة بطاقات “الفيزا” !

ذلك، انعكاس عجْز المسؤولين عن تحصين الشباب فكان مصيرهم التبعية والغزو، كالباركور، الرياضة الدخيلة.

الذي يريده الشباب ويريده حسين أيضا، أن يعلم المسؤولون، أن الشباب مخزون استراتيجي ورصيد من الأهمية بمكان استثماره، وهم “ثروة وثورة”، كما يقول ميخائيل نعيمة.

نُقدر لرجال “التغيير والإصلاح” جهودهم، ونسوق لهم في أحايين كثيرة مبررات وأعذار، ونعلم أن الإرادة موجودة لديهم لخدمة الشباب، لكن تجارب الحياة تدفعنا لأن نأخذ بمبدأ الأفاعي “سوء الظن من حسن الفطنة”.

كل الذي نريده، أن يوازن هنية والسادة الوزراء الأجلاء وحيتان المال في غزة بين إعمار غزة، وإعمار الشباب.

لا تجعلونا نستحضر ونردد أشعار أبو العتاهية في الشباب، يرحمكم الله، ولا تتركونا لدواليب السنين، واعلموا أن الأشياء الجميلة (كالصبر) لا بد لها من نهاية، للأسف.