Feeds:
تدوينات
تعليقات

بقلم/ أحمد الكومي

يحدثني والدي وهو بائع خضراوات في سوق مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، أن سيدة (ثقة) في منتصف العمر، جاءته تبكي على استحياء، تشتكي فقدان أغراض لها كانت تركتها في أحد المحال، بمبلغ يقدر بمائة شيكل، كان زوجها استدان تلك الورقة المالية من شقيقه ليتسنى للزوجة التسوق وتوفير الطعام.

زوج تلك السيدة –بروايتها لوالدي- يعمل عسكريا في حكومة غزة، ولم يتقاض راتبا منذ ما يزيد عن شهرين، ويفضل أن يأكل منقوشة جبنة بكرامة، على أن يفضح تواضع جيبه.

انتاب السيدة حزن الجياد الجريحة، وأصبحت مشلولة التفكير، فلا أحد سيصدق ما سترويه، لا أحد.

قد لا أبالغ لو قلت إن باستطاعة والدي لفرط ما روى من قصص معاناة تُبكي القلب، أن يؤلف كتابا مكتمل الألم !

ولا نستغرب لو علمنا أن فصلا أو اثنان من الكتاب سيكون أبطاله موظفين يواصل مؤشر معاناتهم الارتفاع، فتراهم يأتون السوق في أوقات متأخرة؛ تكون فيها الخضراوات قليلة الجودة وأسعارها بخسة، هذا إن تقاضوا رواتب كاملة، لا دُفعات.

عدد الموظفين بغزة قفز عن 42 ألف موظف، وتجد الحكومة صعوبة في توفير المال لموازنتها الشهرية التي تتجاوز الـ37 مليون دولار، بحسب بيانات لوزارة المالية كانت نشرتها وكالة (صفا) حديثا.

الضائقة المالية التي تعاني منها الحكومة دفعتها للتأخر في صرف رواتب الموظفين خلال الأشهر الثلاثة الماضية.

صرت صراحةً أرفض التصديق أن الحصار أتى على الجميع، وأنا أرى أناسا تتغذى على تعاسات الآخرين.

موظف يستدين ليوفر الطعام، وآخر بدين يرهن من فرط البذخ ورقةً نقدية من فئة (100 دولار), لقاء إحراز لاعب هدفا في مرمى الخصم !

قرأت ذات مرة, أن مسؤول أحد الشركات نشر إعلانا في كبرى صحف بلاده، يسأل كيفية فهم نفسيات الموظفين تحت إدارته ومزاجهم !

بربك، ألا يدفعنا هذا الفعل إلى طبع قُبلة على جبين هذا المسؤول؛ لبحثه عن راحة موظفيه، وألا يدفعنا أيضا إلى أن نحسد زوجته عليه.

يغلب على ظني أن نفسيات موظفي الحكومة في غزة بحاجة إلى ترميم، فثلاثة أشهر عمل دون راتب قد تكون كافية لضجرهم، و(ربما) لو امتدت الفترة مع تنامي بذخ أمثال ذاك البدين، فلنتوقع حراكا “حقيقيا” لا تغذيه مؤامرة.

بوب هوب، ممثل كوميدي أمريكي، قال ذات تاريخ: “إن تطلب الأمر أن أبيض بيضة من أجل وطني فسوف أفعل ذلك” ! نحن لا نريد من الحكومة أن تبيض من أجل الموظف، كل الذي نريده أن تحفظ ماء وجهه فقط، وأن يتقي أبناء الولاة الشبهات، ويراعوا كذلك مشاعر الناس، وبكاء تلك السيدة.

ونريد أن نذكرها أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع- وفق تقرير الغرفة التجارية في غزة- إلى ما يزيد عن 140 ألف شخص، وأن هناك عائلات لا أقول إنها على الحديدة، بل لا تجد حتى الحديدة !

رواتب الموظفين وأسعار الخضروات، لابد أن تكون من أولويات القلق لدى الحكومة. وأتمنى أن توصِل طائرات الاستطلاع ما كتبت إلى رأس الهرم أو المتنفذين فيها، ليعلموا أنه ليس عيبا أن نُظهر القسمات الحقيقية للواقع، فلا معنى لحرية الرأي دون أن يكون لنا حق الكتابة، وحق الخطأ والصواب.

ورحم الله من أهدى إليّ عيوبي

بقلم/ أحمد الكومي

أفضت الحسرة التي تملكت الشباب الفلسطيني بُعيد تداول خبر توجه النمسا لتعيين شاب وسيم بلغ السابعة بعد العشرين، وزيرا للخارجية، إلى حراك شبابي في غزة، أثمر وعودا بلقاء قريب للشباب مع رئيس الحكومة الفلسطينية إسماعيل هنية، ومطالبات بوزارة مستقلة للمغلوبين على أمرهم.

لو أعلم للحظة أن المطالب التي تحمّس النشطاء للتنقيب عنها عند الشباب، من أجل طرحها على هنية، ستكون على رأس اهتمام الحكومة في ظل “ضنك المعيشة”، لأجلست بجواري العسكري “حسين”، لأُملي عليه مطالبي.

لكن الواقع يقول إن هموم الشباب آخر ما يفكر فيه أصحاب القرار، والحكومات، والأحزاب باختلاف هوياتها، وحتى الشباب أنفسهم، فقد “خدلت مؤخراتهم” لفرط ما جلسوا ينتظرون الفرج.

كاتب هذه السطور، الذي يقرئكم السلام، جاءه الفرج مبكرا، لكن ليس ذلك معناه أن ألتحف وأقول كما أبو يزن (دع الخلق للخالق).

فسني وموقعي يقتضيان أن أكون محاميًا عن الشباب، وقاضيًا لهم عند المسؤولين وأصحاب القرار.

الأزمات المتلاحقة، والسياسية على وجه الخصوص، أنتجت شبابا فلسطينيا لا يُحسن غير المسبة على الواقع “والعيشة المنيلة بستين نيلة”.

تقرير الغرفة التجارية في غزة، الذي صدر يوم الأحد (5 يناير 2014)، أشار إلى أن معدلات البطالة في القطاع تجاوزت 39% مع نهاية العام 2013؛ بفعل استمرار الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وأشار أيضا إلى أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع إلى ما يزيد عن 140 ألف شخص !

وأعتقد أن هذه النسبة كانت بمنزلة “كتاب الأضواء” الذي فسر لي سبب توجه بعض الشباب الغزي إلى القفز عن الجدران؛ تحت مسمى رياضة “الباركور”، وامتهان عمليات القرصنة والاختراقات وسرقة بطاقات “الفيزا” !

ذلك، انعكاس عجْز المسؤولين عن تحصين الشباب فكان مصيرهم التبعية والغزو، كالباركور، الرياضة الدخيلة.

الذي يريده الشباب ويريده حسين أيضا، أن يعلم المسؤولون، أن الشباب مخزون استراتيجي ورصيد من الأهمية بمكان استثماره، وهم “ثروة وثورة”، كما يقول ميخائيل نعيمة.

نُقدر لرجال “التغيير والإصلاح” جهودهم، ونسوق لهم في أحايين كثيرة مبررات وأعذار، ونعلم أن الإرادة موجودة لديهم لخدمة الشباب، لكن تجارب الحياة تدفعنا لأن نأخذ بمبدأ الأفاعي “سوء الظن من حسن الفطنة”.

كل الذي نريده، أن يوازن هنية والسادة الوزراء الأجلاء وحيتان المال في غزة بين إعمار غزة، وإعمار الشباب.

لا تجعلونا نستحضر ونردد أشعار أبو العتاهية في الشباب، يرحمكم الله، ولا تتركونا لدواليب السنين، واعلموا أن الأشياء الجميلة (كالصبر) لا بد لها من نهاية، للأسف.

نكحوا أم بلادنا

بقلم/ أحمد الكومي

أقسم بالله العظيم إنني لا أعادي الشعوب العربية، ومن حلف لكم بالله فصدّقوه.

يخرج المتحدث باسم الحكومة ليطالب “الأشقاء العرب” بإغاثة غزة.

ويخرج المتحدث باسم الوزارة، والمتحدث باسم الحركة، والمتحدث باسم المؤسسة، والمتحدث باسم حلويات ساق الله، جميعهم يذيّليون أقوالهم وبياناتهم بدعوة “الأشقاء العرب” للتحرك والقيام بمسؤولياتهم !

كنت سألت عبر الفيسبوك عن نكتة قادرة اليوم على جمع العرب من المحيط إلى الخليج، فكانت المبادأة بالإجابة لصديق عزيز، فقال سريعًا: “قمة عربية” !

ظهر لكل ذي عينين، ولمعظم العميان، الفرق بين حجم مساعدات العرب التي وصلت غزة يوم أن غرقت، وتلك التي أرسلت إلى الولايات المتحدة يوم أن ضربها إعصار ساندي.

أعلم أن مسؤولينا -وفقهم الله إلى رز لا يُسمن- يحرصون على بقاء قضيتنا في حضن العرب، ويلقون همومنا إلى حِجْرِهم، لكنهم إلى جانب حرصهم، يعرفون تمام المعرفة أن عرب اليوم (أقصد حكامهم) أصحاب أقوال صقورية على بعضهم فقط، وليس باستطاعتهم فعل شيء دون إشارة العم سام (أمريكا).

أرى أن ما نعيشه اليوم -والأنظمة العربية تتآمر على شعوبها بل وتضربها- يدفعنا نحن في غزة إلى أن نرتمي في أحضان الشعب، وأن نعض على كرامتنا بأسناننا.

ما أدعو إليه، ظهر جليًا في التكاتف الشعبي الرائع يوم أن أغرقت أهلنا مياه الأمطار في منطقة النفق، والمناطق المنكوبة الأخرى، والصورة الأجمل التي برزت بالالتفاف العظيم للشعب حول المقاومة في العدوانيْن على غزة.

دعوكم من اللغة الناعمة التي تنادون بها، وقبلات الدبلوماسية وبروتوكولات المجاملة، وتحروا أحوال الشعب، واعملوا بما توفَّر من إمكانات، فمن تدعونهم اليوم من الحكام مشغولون بإشباع نزواتهم السافلة.

المهنية لا تفترض هنا أن أدلل على حديثي، فالشواهد كثيرة، وكلنا رأى المواطن السوري الذي يحمل جثة طفله الذي قتلته قوات الأسد، وهي تقطر دمًا، يبكي وينادي: “وينكن يا عرب؟”.

صرت والله أكره كلمة (كواليس)؛ لفرط ما قرأت عن خيانات وتنازلات حكام عرب، والمفارقة أننا ما زلنا نذكرهم في بياناتنا، وننادي عليهم في مسيراتنا، ونستجديهم في مؤتمراتنا، ونأمل أن يحرروا مقدساتنا !

اعلموا أهلنا في غزة أن الصبر ليس أمرا هينا، فهو يحتاج لكظم الغيظ، وضبط النفس، ومص الليمون لمغالبة القرف، كقرفنا من دوام تعطل حواسيب الجانب المصري بمعبر رفح.

وصدق من قال: على كثرة من نكحوا أم بلادنا، لا نجد لنا إخوة غير أشقاء، كلهم “أشقاء” !

وإلى حين أن يستجيب الأشقاء، خلو عليوة يكلمني.

غلمان حماس

بقلم/ أحمد الكومي

رفعت رياح المنخفض الجوي أطراف التنورة التي ترتديها مدينة غزة، فبانت للأسف عورتها.

بنى تحتية هشة، شوارع غمرتها المياه، شبكات كهرباء وصرف صحي رثة، وهلمّ جرا.

كنت صراحة أبحث عما يستفزني للكتابة بعد حالة التشنج التي أحدثها المقال الأخير، ولا أخفيكم أن ما أماتني كمدا، مواقف متحولين أظهروا العداء للرفيق وسرعان ما صار لهم “أخ حبيب” حينما لاح سجّان الكلمة !

أعرف تمام المعرفة أن حديثي كان جارحًا، ولست أتفق مع حكمة العجوز الفرنسي برنارد شو الذي قال “إن سر النجاح هو أن تهاجم أكبر عدد من الناس”، إنما الحاجة بعد فرط اللامبالاة من جهة المسؤولين، كانت دافعًا قويًا، فصُنع “العجة” يتطلب تكسير البيض.

سأرتدي هنا لباس السفراء وسأميل للدبلوماسية في الحديث، ليس لشيء سوى إبداء إعجابي بتكتيك لجأت إليه حركة حماس للحيلولة دون أن “تسحل” تنورة غزة، ولا يتبقى ما يسترها.

وحديثي يستند إلى معلومات استقتها وأنا في موقع الحدث، بمعنى أنني لست بحاجة عمي “أبو محمد” ليوضح الحقيقة إن كنت زللت.

سعادتي ليست لحداثة التكتيك، إنما لتوقيته، فجميعنا يعرف سر ديمومة حماس، الذي يكمن في التفاف الناس حولها، لا للأموال التي يجمعها قادة الخارج، أو وفرة السلاح التي بحوزة الداخل، رغم أهمية الاثنان.

أمام غرق بلديات قطاع غزة في الشتاء، لجأت حماس إلى تشكيل لجان تطوعية لخدمة الناس ومن يتضرر بفعل المنخفض الجوي، من خلال مجموعات في كل مسجد، تكون مهمتها تفقد أحوال الناس في المحيط، ونجدة من يستغيث.

يحدثني أحد الثقات أن عائلة تقطن حول مسجد الحي، غدر بها سقف المنزل الاسبستي، فانهار لشدة الرياح وغزارة المطر، فرصد أحد الغلمان الحادث وأخبر بها المجموعات التي تمركزت في المسجد، فسارعت لنجدة العائلة، ولم تكن تنفع مع المنزل “الضمادات” غير البحث عن آخر، فما كان منهم إلا أن نقلوا العائلة بأكملها إلى شقة سكنية في أحد الأبراج إلى حين إصلاح بيتها !

المغزى ليس في شهامة فتية، إنما في تكتيك أعاد الاعتبار للعمل التطوعي، بعدما أزاحه الانشغال بالوظائف والأدوار الحكومية عن الواجهة.

وأيضًا، بعدما عكّر الصورة، شرطي مرور على مفترق طرق لا يكفيه دفتر مخالفات واحد في اليوم، أو عناصر أمن انهالوا بالضرب على شاب أمام أنظار العامة في أحد الأسواق لأنه لم يدفع نفقة زوجته، أو آخرين أهانوا عاطلا عن العمل، حاول منع عمال شركة الكهرباء من قطع سلك التيار، لأنه لم يدفع المستحقات التي غادر فيها عدد الشواكل خانة المئات نحو الآلاف.. والكثير.

أعلم أنها مزايدات “ممنوعة من الصرف”، من شأنها فقط شحن النفوس، لكنه عتاب مُحب يسعد لسعادة الناس بعطاء حماس.

كلي رجاء وأنا أعيش طفولة الفكر أن تستعيد حماس عافيتها في العمل الاجتماعي والتطوعي، وألا تكتب لجمالها نهاية. الجمال الذي رأيته في عيون جارتي الفتحاوية وهي ترحب بدخول حماس بيتها في حملة “مودة وتواصل”.

شمروا سواعدكم وتقدموا، وانثروا الحب أينما حللتم، وأخرجوا الناس من وحل أنفسهم، كونوا أطباء لهم، لكن بدون “كشْفيّة”.

يا رفيق طز فيك

بقلم/ أحمد الكومي

في عام 2011 استقال وزير الاقتصاد الياباني بعد وصفه المناطق المهجورة المحيطة بمحطة فوكوشيما النووية المنكوبة بأنها تشبه “مدينة الموت”، حيث آذى هذا الوصف مشاعر السكان. لاحظوا كلمة (آذى).

في 2013 ذهب ممثلون عن الأحياء في مدينة غزة، منهم ممثلين عن مخيم الشاطئ، يشتكون أزمة المياه لرئيس بلدية غزة المدعو رفيق مكي، فصدّهم، وخاطبهم: “يا أهل الشاطئ بلطوا البحر” !

لم أكن لأكتب هذه السطور إلا بعد أن تحقق أصدقاء من صحة قول رئيس البلدية.

ينقل من كان حاضرًا اللقاء، أن مدير عام المياه في البلدية، وعد بأنه “بعد أسبوع فقط ستحل مشكلة المياه بمنطقة الشاطئ”، ليقاطعه رئيس البلدية بالقول: “هذا كلام غير صحيح، ولا أعد بحل المشكلة”.

يقول الراوي: “فدخلنا معه في نقاش حاد، وطلبناه بتوفير الحلول بصفته المسئول عن ذلك، لنفاجأ بمقاطعته حديثنا، وقال: يا أهل الشاطئ بلطوا البحر”.

ومكشوف لكل ذي عينين حجم الترهل في شبكات المياه والصرف الصحي التي يعانيها مخيم الشاطئ الذي يقطنه ما يزيد عن 90 ألف نسمة، فضلًا عن شدة ملوحة المياه، هذا إن كانت متوفرة أصلًا.

وايم الله إن رفيق آذى مشاعرنا، وإنه خرج عن حدود اللباقة في الرد، وفات عنه أن أهل الشاطئ طاعنون في التحدي، ولو حدث ذلك في دولة أجنبية لرأيتم العادلة بأمّ عينها.

حسبنا أن في غزة عدالة، وإلا لم خصصوا مبلغ 11 مليون دولار لتدشين “قصر العدل”.

عمر لم يمت يا سادة، فالسيد إسماعيل هنية هو الإمام اليوم، وأكاد أجزم أن الواقعة لو وصلته دون شيء من التوابل، فلن يرضى بذلك، خاصة أنه واحد من قاطني المخيم و”نوّارته”.

لست أتوق أن تصل الواقعة إلى وزير الحكم المحلي بغزة، فسبق أن رأينا حلوله الجذرية، وأخوف ما أخافه أن يقيل أهالي مخيم الشاطئ، “ويأت بقوم جديد”.

وقبل هذا، أريد أسأل: هو الوزير وصل مكتبه؟!

المعادلة تقول إن العين بالعين، ومن يقلل من شأننا سنرد عليه بالمثل، والإنسان لابد أن يخرج قليلا عن حدود الأدب بين وقت وآخر ليحتفظ بصحته النفسية، وعليه قررت ألا أنتظر تمييع القضية حتى تدشين القصر، وسأشتم رفيق على الملأ رغم علمي بأن كلامي هذا سأحاسب عليه حساب الملكين !

ويا رفيق طز فيك

ويا رفيق ارحل

وارحل يعني امشي

ومن يبحث عن محرر صحفي فهذا رقمي

5912206

11/20 يوم شتمتني حماتي !

بقلم/ أحمد الكومي

أًغرق موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك بمواقف حدثت لنشطاء في معركة “حجارة السجيل”، أوردوها في الذكرى الأولى للحرب التي أنهت نظرية الجيش الذي لا يقهر.

ولأن ما هو حلال على النشطاء حلال عليّ، قررت أن أُشهر على مسامعكم مواقف منها الطريف، ومنها ما ارتعدت فيها فرائصي، وذلك يوم استشهاد ابن عمي محمود الكومي ورفيقه حسام سلامة في قصف الاحتلال لسيارة كانا يستقلانها بشارع النصر غرب غزة، التي تصادف اليوم ذكراهم السنوية الأولى.

قدّر الله أن أشاهد على الهواء مباشرة عبر فضائية الأقصى، السيارة وهي تحترق، وقت أن كنت منغمسًا في تغطية أحداث الحرب، وبحكم شح العاملين بمجال الصحافة في رحاب عائلتنا، وهم ثلاثة فقط إن لم تخنّي الذاكرة، الشهيد وشقيقه إسلام والعبد الفقير أنا، وبحكم تقارب الأسماء (أحمد ومحمود)، سقط الالتباس، وسقطت أنا شهيدًا، وسقط قلب أمّي، وسقط المشاهدون جميعًا.

لا أذكر أن سالت دمعة من مقلتيّ حُزنًا على رحيل ابن عمي، فقد اختار الطريق، والصحفي حامل القلم والكاميرا لا يقل أهمية وشجاعة عن حامل السلاح، ولا موطئ قدم للجبان في الميدان.

لكن كل ما أتمناه أن أعرف كيف تملّكتني الشجاعة لأستقل ووالدي وأشقائي سيارة في منتصف الليل لنتوجه إلى مستشفى الشفاء حيث جثمان الشهيد؟، فقد كان ذلك ضربًا من الجنون، رغم أن المسافة من منزلي إلى المستشفى قصيرة، لكن لهول الموقف وسرعة دقات قلبي التي تجاوز عدادُها، عدادَ السيارة، شعرت أن الطريق طويلة وكأنّي ذاهب إلى مصراتة !

وأذكر أيضًا حجم الاتصالات التي انهالت عليّ للاطمئنان والتأكد من هوية الشهيد، وكم تعاتبني نفسي لإقدامي على إغلاق هاتفي حينها، فقد زاد ذلك من قلق الأحباب، خاصة حماتي، ولها هنا قصة، لكن حساسية الوضع الأمني فرضت ذلك.

ولا أنسى أول شخص هاتفني لتقديم التعازي، الصحفي وسام عفيفة المدير العام لمؤسسة الرسالة للإعلام، وهو رجل وافر الكياسة، ويغبطني حرصه على معرفة بواطن الأمور على جميع المسارح،  وأذكر أن ثاني اتصال كان من الأستاذة الجامعية حماتي، التي أخذت وقتًا وهي تتأكد أن الذي يهاتفها على الطرف الآخر هو زوج ابنتها، وراحت تسأل عن اسمي وعمري ومكان تواجدي وعن صحتي وعملي ولو تركت لها المجال لسألتني عن مقاس حذائي.

والطريف في الأمر أنها أقدمت من فرط توترها على شتمي، وكان قد مرّ سبعة أشهر على زواجي من ابنتها -وهي للعلم تُنكر ذلك- وكان أهون ما قالته لي: “بتعرف ترتزي في الدار” ! رغم أنّي كنت بالفعل “مرتزي” في الدار من بداية الحرب.

لم يكن أمامي إلا الإذعان لها لاعتبارات كثيرة، ثانيها بعد تقدير الموقف، أنها من بلدة حمامة، وكل الناس خير وبركة.

وفي ظهيرة اليوم التالي لاستهداف ابن عمي، ونحن في الطريق إلى المقبرة، وأثناء التشييع، تشابكت مشاعر الفرحة مع الخوف، عندما أُعلن عن عملية للمقاومة في قلب (تل أبيب)، وقتها قلت في نفسي: “يا الله، ما أسرع ثأر عائلة الكومي”، لكن تبين أن منفذ العملية هو الشهيد محمد عاصي رحمه الله ورفاق له، وكلنا أخوة في الدين.

بحجم الخوف الذي تملّكنا في الحرب، غمرتنا السعادة بعد انتهائها بإعلان انتصار المقاومة وفرض نظريات جديدة في إدارة الصراع، في وقت كان العرب فيه مشغولين بمسابقات مزاين الإبل، واختيار أفضل تيس وأجمل نعجة !

بالمناسبة، اعتذر عن الإفصاح عن طبيعة الشتيمة وشكلها، كي لا أخسر حماتي وطبق الزبادي.

كيف تفكر حماس؟

بقلم/ أحمد الكومي

يستغرب جمهور عريض إصرار حماس عقب كل جولة قتالية تخوضها مع إسرائيل على تهدئة طويلة المدى، تمتد لعقد أو يزيد، بينما تمر أوقات تكون فيها الغلظة سمة الحركة، وتتمنى لو تثخن في العدو قتلا، ولا أدل على ذلك تصريح أحد أكبر قادتها بأن شعار أي حرب مقبلة “نغزوهم ولا يغزوننا”.

لست هنا في معرض الإشادة بحماس وإن كنت شديد الإعجاب بفكرها وما تصنع من الرجال، بقدر ما أحاول أن أفكر مثلما تفكر، رغم أنّي حديث الأسنان.

ساعة أن تعلم أن رجالات حماس تربّوا على موائد القرآن، فعليك أن تدرك تمام الإدراك أنهم قرأوه ثم فسّروا آياته ولاحقا استخرجوا منه الدروس المستفادة، على اعتبار أن القرآن يحرص على بناء إنسان يقظ، وجماعة إسلامية تُجيد التكيف السياسي، وتوظف كليهما مستقبلًا لخدمة الإسلام.

هنا، سأورد درسًا من دروس القرآن يرشد إلى أوقات اختيار إعلان الحرب وتغليب العمل العسكري، وأوقات تصعيد العمل السياسي، لنجيب ولو بالقدر اليسير على السؤال (كيف تفكر حماس؟). مع ضرورة الإشارة إلى القارئ المبجّل أن ما سأورده ليس عصارة فكرية خاصة بي.

“مقارنة بين سورة محمد وسورة الفتح توضح ما نرمي إليه، فالأولى مدنية وآياتها 38 وموضوعها: الجهاد في سبيل الله، وقد نزلت في السنة الثالثة من الهجرة، وهي مرحلة من مراحل الدعوة، ومن يقرأها لا يمكن أن يتوقع نزول سورة الفتح بعدها بثلاث سنين، وهي سورة نزلت في السنة السادسة من الهجرة، لتعبر بالجماعة الإسلامية الأولى خلال مرحلة أخرى ذات طبيعة مغايرة، أي طبيعة صلح الحديبية”.

في سورة محمد أمر رباني للمسلمين بالقتال وعدم الدعوة إلى السلم أو الهدنة “فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب”، والهدف تحطيم العدو. وهي مرحلة جهاد من خلال السلاح والشهداء.

أما سورة الفتح فتعبر عن مرحلة سياسية مغايرة –كما أسلفنا- اشتد فيها عود الجماعة الإسلامية الأولى، وتطلب فيها الهدوء والتخطيط السياسي وأخْذ “استراحة مقاتل”، حتى أن ألفاظ السورة وصورها أهدأ بكثير من سورة محمد، فقد وافق النبي في ذلك العام على صلح الحديبية.

ويقال إن الرسول خرج إلى الحديبية في 1400 رجل، ثم خرج عام فتح مكة بعد ذلك بسنتين في عشرة آلاف ! وأحسب أن حماس تعتنق التفكير هذا وترغب في تحقيقه لو نجحت في مرادها (تهدئة طويلة المدى) تريد من خلالها تجهيز قاعدة بشرية مقاتلة تكون وقود التحرير، وهي التي أجادت العمل التحتي، وجميعنا ورد إلى مسامعه شعار حماس خلال أوقات الهدوء القصيرة (صمتنا إعداد)، وجميعنا أيضًا رأى بعضًا من هذا الإعداد، في عرض كتائب القسام الأخير.

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 1,146 other followers